You are currently viewing تحوّلات العلاقة بين الشعر والجمهور*

تحوّلات العلاقة بين الشعر والجمهور*

مقدمة

هناك حادثة أذكرها في مهرجان قرطاج الدولي. حضرت حفلا للثلاثي جبران في افتتاحه ألقى عدد من الشعراء التونسيين المهمين بعض قصائدهم. بعد دقائق من بدء القراءات، بدأ الجمهور في التصفير. لم يأتوا للاستماع إلى الشعر، بل إلى الموسيقى. أعتقد أنّ ذلك يعطينا فكرة أوّلية عمّا يبحث عنه الجمهور من الشعر.

ما نلاحظه من الهوة التي تفصل بين الشعر والجمهور ينطلق من انطباعات تكوّنت لدينا ممّا نراه من ضعف الحضور العام في الأمسيات الشعرية وما يتراءى لدينا من قلّة مبيعات المجموعات الشعرية، بل وحتى من الصعوبات التي يجدها الشاعر لنشر مجموعته. إذا شئنا الانطلاق من معطيات موضوعية، لا نجد إحصائيات دقيقة حول هذه المعطيات، لكن يمكن أن نجد بعض الأرقام التي لها دلالات واضحة.

حسب دراسة لاتحاد الناشرين العرب، بين 2015 و2019، بين 65 و80 في المائة من كتب الشعر في مصر كانت نشرا ذاتيا مقابل 45 في المائة في المغرب[i]. ارتفاع نسب النشر الذاتي يُثبت أنّ الناشرين غير مهتمين بإصدار المجموعات الشعرية وهو ما يعبّر بدوره عن الملاحظة التي لا شكّ أنّنا سمعناها جميعا: الشعر لا يباع. هذا ما تثبته أرقام نفس الدراسة وإن لم تتعرض بشكل مباشر للشعر.

الكتب الدينية تمثل 60 في المائة من المبيعات، مقابل 20 في المائة للروايات. جميع الأجناس الأخرى تتقاسم الباقي.[ii] وإذا علمنا أنّ الكتب الفكرية والأكاديمية والمجموعات القصصية والكتب المتخصصة، وهي جميعا لها جمهورها، موجودة في هذه العشرين في المائة، فلا شكّ أنّ الشعر لا يمثّل إلا رقما ضئيلا للغاية من هذه المبيعات.

يبدو أنها نزعة عالمية. في الولايات المتحدة في 2022، 9,2 في المائة ممن قرؤوا أي كتاب في العام السابق قرؤوا شعرا، مقابل 37 في المائة قرؤوا روايات. في 2012 وصل قرّاء الشعر إلى أدنى مستوى: 6,7. [iii]

إذن الشعر لا يقرأ في كلّ العالم، لا في البلدان العربية وحدها. ربّما نحن نعير أهميّة خاصة لهذه الظاهرة باعتبار مكانة الشعر في ثقافتنا، نظرا للدور الذي يمكن أن نعتبره تأسيسيا فيها. لذلك نتحسّر ونتأسى ونتساءل، ولكن ينبغي الإقرار بحقيقة: ليست للشعر نفس المكانة التي كانت لها في السابق في مكانتها. هناك قطيعة حقيقية بين الشعر والجمهور، وهي تعود إلى تطوّر في الشعر ذاته وإلى تطوّر في الجمهور كذلك.

1.   قطيعة ناجمة عن تطوّر في الشعر

منذ بدايات الشعر العربي كما نعرفها، لا شكّ أنّ هذا الفنّ عرف تطوّرا كبيرا. وهذا التطور، خصوصا من حيث الشكل والوظيفة، ساهم في تعاظم الهوة التي تفصله عن الجمهور.

أ. تطوّر من حيث الشكل

يُعرّف الشعر تقليديا بأنه كلام موزون مقفّى له معنى. وهذان العنصران (الوزن والقافية) يحيلان إلى أهمية الجانب الموسيقي في الشعر. ونعلم أنّ علم العروض قام في الأساس لاستخراج القواعد التي تحكم هذا الجانب، وخصوصا الإيقاع. الشعر تقليديا كان يُنشد قبل أن يُكتب، ذلك أنّ وقعه في أذن السامع كان مميزا، بغضّ النظر عن معناه.

هناك علاقة تكاد تكون سببية بين الإيقاع والقاعدة الجماهيرية، نلاحظها حتى في الفنون الموسيقية. الأنماط التي فيها حضور قوي لآلات الإيقاع، لنأخذ مثلا المزود، تحظى بشعبية واسعة. بينما نجد مثلا أنّ الموسيقى الكلاسيكية التي لا تعتمد بالمرة على مثل هذه الآلات ويتكوّن الإيقاع داخلها عبر التفاعل بين مجمل الآلات فنّ نخبوي للغاية جمهوره محدود.

يكمن تفسير ذلك في ما يؤسسه الإيقاع في السمع. هناك نمط واضح يمكن للأذن أن تعتاده بسهولة وتتفاعل معه. وفي غياب هذا النمط، يضحي الأمر أكثر صعوبة، بل ويستوجب حتى تدريبا خاصا لالتقاطه.

فيما يخصّ الشعر، يمكن أن نلخّص تطوّره من حيث الشكل في تحرّره من الإيقاع. في كلّ مرحلة: من الشعر العمودي إلى الشعر الحرّ فقصيدة النثر، هناك نزوع متزايد إلى التخلّص من هذه الموسيقى الخارجية. وليس يعنينا، في هذا السياق، أن ننقد دواعي هذا التوجّه، ولكن ما يهمّنا في صدد علاقته بالجمهور أن نبيّن أنه لم يعد هناك لأذن السامعين ما تلتقطه من الشعر. الوزن والقافية كانا مرساتين لانتباهه، وفي التطورات المعاصرة للشعر، فقدا تماما. موسيقيا، لم يعد الشعر يُنشد. ومهما اجتُهد في إلقائه، فلا شكّ أنّ ذلك لا يعادل الإيقاع الطبيعي للقصيدة العمودية، والتي نلاحظ أنّها تحافظ على جانب من صداها.

أمّا في خصوص المعنى في الشعر، تغلب على الشعر الآن نزعة تخييلية واضحة، تبلغ أحيانا حدّا يجعل من الإمساك بالمعنى أمرا في غاية الصعوبة. يحلّق الشاعر في عالمه دون أن يعطي للقارئ مفاتيح تذكر لتبيّن معالمه، لذلك سرعان ما يفقد هذا الأخير أيّ اهتمام له في متابعة ما يقال بعد ثوان معدودة. لا يُمكن أن نطلب من القارئ/المستمع أن يركّز مع صور هي بالنسبة إليه هلامية تماما. هناك مثال ساخر يُعجبني من مسرحية بالنسبة لبكرا شو لزياد الرحباني سنة 1978. أحد شخصيات المسرحية شاعر يُدعى الأستاذ أسامة، لا يفهم أحد ما يلقيه وحين يسأله أحد من العامة يجيب: “هذه القصائد ليست لك”.

ب. تطوّر من حيث وظيفة الشعر

هناك تصنيف قديم للشعراء يميّز بينهم حسب الغاية المباشرة التي يقصدونها بشعرهم، فيمكن تصنيفهم إلى الشعراء المتكسّبين، والشعراء الأمراء، وهذا النعت لا يعكس في سياقنا هذا نسبا أو وظيفة بقدر ما يعني التحرّر من متطلّبات المادة. إذا طبّقنا هذا التقسيم على شعراء الطبقة الأولى من الجاهليين، نجد أنّ امرأ القيس لوحده يمكن اعتباره من الأمراء، في حين أنّ البقيّة أي زهير والنابغة والأعشى كانوا من المتكسبين.

ولكونه من الأمراء، يبدو أنّه كان سببا مهمّا في تفضيله على الآخرين. نجد أنّ عليّا بن أبي طالب مثلا يفضّله باعتباره “لم يقل الشعر لرغبة أو لرهبة”. وكأنّ هذا التحرّر من الغاية المادية يجعل الشعر أقرب إلى صفاء المنابع ومعبّرا عن التطلّعات الأصلية تجاه الشعر، أي التعبير الصادق عمّا يخالط الوجدان.

ولكنّ “الأمراء” لطالما كانوا أقليّة، وقد اضمحلّ دورهم شيئا فشيئا. ففي طبقات الإسلاميين، لا أحد من شعراء الطبقة الأولى منهم.

يمكن القول أنّه منذ العصر العبّاسي، هيمن صنف المتكسبّين بشكل حاسم، وخصوصا مع أبي تمّام. حيث أصبح الشعر بالأساس صنعة ويغلب عليه التكلّف اللفظي، وهو ما ميّز قسما هاما من الشعر العربي إلى حدود نهاية القرن التاسع عشر. ومن الطبيعي أنّ نظما لا يُقصد منه سوى اللعبة الكلامية مع إهمال شبه تام لجانب المعنى لا يلقى صدى في نفوس الجماهير، إذ أنّه لا يُعبّر في شيء عن تطلّعاتها.

لا يقتصر التكسّب بالشعر على فترات مضت من تاريخه. ودون أن نقصد إلى الجانب الأخلاقي، فمن المشروع أنّ كلّ ذي موهبة يسعى إلى تثمين موهبته، فقد اكتسى التكسّب أشكالا جديدة. فيما مضى، كان الملوك والنبلاء هم المقصودون بالمدح ويمنحون مقابله أجزل العطاء. أمّا في وقتنا الحالي، فالسوق أصبحت أضيق بكثير، والمنافسة أشدّ. سوق الشعر، إذا ما حذفنا منها الجزء المتعلّق بالنشر وهو كما أشرنا في المقدّمة ضعيف للغاية لا يسمن ولا يغني من جوع، تكاد تقتصر على المسابقات والحضور بمقابل في الأنشطة. وفي كلا الحالتين، ليس الجمهور هو معيار التقييم، بل أنّ ما يصنع صيت الشاعر في هذه السوق هو قدرته على إرضاء النقّاد (في لجان التحكيم) أو شبكة علاقاته التي تتيح له الحضور باستمرار بغضّ النظر عن قيمة ما يكتبه. عرفتُ شعراء بالفطرة لم يحسنوا أو لم يهتمّوا بأن يكتبوا كما يراه النقّاد، فبقوا على الهامش. كما عرفتُ شعراء عرفوا من أين تؤكل الكتف فرسّخوا مكانتهم في الساحة بغضّ النظر عن قيمة ما يكتبون أو حتّى قناعاتهم الذاتية.

هذا التعامل النفعي مع الشعر مع محدودية السوق ساهم في بناء صورة نمطية للشاعر رسّختها كذلك وسائل الإعلام، وهي صورة الشاعر الصعلوك الّذي يتعالى على الجماهير باعتباره حاملا لوعي فريد وفي نفس الوقت يسعى إلى إشباع بطنه مهما كانت الوسيلة، حتّى ولو بضروب من الكُدية. مثال ذلك صورة سعيد الفاهم مثلا في مسلسل “حسابات وعقابات” وحتّى الأستاذ أسامة المذكور الّذي يحاول أن يخرج من المطعم دون أن يدفع الفاتورة.

تطوّر الشعر شكلا ووظيفة في اتّجاه يخالف تطّلعات الجمهور وصاحب ذلك تطوّر في الجمهور نفسه.

2.   قطيعة ناجمة عن تطوّر في الجمهور

إنّ الجمهور المعني بالشعر تطوّر من جهتين: من جهة ذائقته، ومن جهة انفتاحه على أشكال أدبية أخرى.

أ- تطوّر من حيث الذائقة

 هناك فكرة ينبغي أن ننتبه إليها في خصوص شعبية الشعر. باستثناء ماض سحيق، هو متخيّل على الأرجح، يقتصر على الجاهلية وصدر الإسلام كان فيه الجميع يفهمون الشعر ويدلون بدلوهم فيه، لم يكن الشعر قطّ ذا طابع جماهيري. مُنذ أن تحوّل الشعر إلى صنعة، أصبح بالضرورة نخبويا، إذ هو موجّه بالأساس إلى المقصودين بالتكسّب (أي الملوك والنبلاء) إلى جانب عدد من المتابعين وهم أساسا من العارفين.

ينبغي أن نشير إلى فترة حاول الشعر فيها أن يتحّرر من هذا الطابع النخبوي، وذلك مع ما نسمّيه شعراء الإحياء الذين حاولوا إلى حدّ ما تجاوز اللعبة الكلامية والتعبير عن مشاغل عصرهم، ولقوا لذلك حدّا من القبول الجماهيري. تكاد تقف الكتب المدرسية عندهم في استشهاداتها، أو بعدهم بقليل. ثمّ لم تلبث الفجوة أن عادت إلى التوسّع.

وهم “الجماهيرية” يتأتى من الحكم على أزمنة سابقة بمعايير زمننا. فيما مضى، كان كلّ من يجيد القراءة والكتابة يُعتبر إلى حدّ كبير مثقّفا، ويمكنه أن يتذوّق الشعر. أمّا مع تعميم القراءة والكتابة، فلم يعد ذلك منطبقا. تضاعف عدد القرّاء بشكل كبير، دون أن يصاحب ذلك تطوّر نوعي في الذائقة، بل على العكس تماما.
يورد توفيق الحكيم في روايته “عصفور من الشرق” آراء قد تبدو غريبة عن تعميم التعليم، إذ تربطه بتردّي حالة الأدب. إذ يعتبر (أو ينقل رأي ألدوس هكسلي، موافقا إيّاه) أنّ جمهور القرّاء كان محدودا، بحكم ارتفاع نسبة الأميّة، غير أنّ قراءاتهم كانت تقتصر على كتب قليلة لكنّها على درجة عالية من الرقيّ. لكن لمّا تضخّمت سوق القراءة، أسرع أصحاب الأعمال إلى تعويمها بسلع للاستهلاك لا تعدو أن تكون أدبا من الدرجة العاشرة، وتجد رغم تفاهتها جمهورا عريضا.

نجد أنّ ذلك ينطبق بشكل خاص على الشعر. يُمكن حتّى القول أنّ العلاقة بين الجودة والجماهيرية هي علاقة طردية معكوسة: كلّما ارتفعت جودة الشعر قلّت جماهريّته والعكس بالعكس. الجمهور يريد الاستهلاك، وكلّما وجد أدنى تعقيد فيما يقرؤه إلّا وأضرب عنه. لإرضاء الجمهور، يتّجه الشعراء أكثر فأكثر إلى الكتابات القصيرة، ولا يكاد ذلك يغني شيئا، فكلّما كان فيها شيء من الاشتغال إلا وكانت أبعد عن التفاعل الجماهيري.

تطوّر المحامل يعكس كذلك هذا التطوّر في الذائقة وفي السلوك الاستهلاكي. قبل عقود، كانت السبيل المعروفة للشاعر لكي يشتهر هو أن ينشر في مجلّة أدبية أو في صحيفة لها ركن أدبي، وهو ما يفترض لقراءتها ركنا قصديّا محترما (البحث عن المجلّة واقتناؤها وقراءة النص). أمّا اليوم في عصر شبكات التواصل الاجتماعي، فإذا لم يشدّك المنشور في أوّل عشر ثوان، عدلتَ عنه إلى غيره.

يكفي أن نطرح سؤالا: هل يوجد شاعر جماهيري في وقتنا الراهن؟ أظنّ أنّ آخر شاعر ينطبق عليه هذا الوصف هو نزار قبّاني. ودون الدخول في تقييم تجربته الشعرية، يُمكن أن نلخّص نجاح جماهريته في عنصرين: شعره موزون، ومفهوم، فضلا عن أنّه يلامس ضلعين من الثالوث المحرّم في الثقافة العربية.

إلى جانب هذا التطوّر من حيث الذائقة، عرف الشعر منافسة في الفترة المعاصرة من فنون أخرى.

ب- منافسة من فنون أخرى

كنّا، وربّما لازلنا، نردّد عبارة “الشعر ديوان العرب” المنسوبة إلى ابن عبّاس ناسين أو متناسين أنّ هذه العبارة تمّ تجاوزها منذ زمن طويل (يقول الجاحظ “كان ديوانها”). كان الشعر ديوان العرب عندما كان حاملا للغتهم وقيمهم ومآثرهم وأيّامهم. في الزمن الماضي، كان الناس يسمعون القصيدة من الفرزدق أو جرير فينتظرون نقيضتها من صاحبه، كما ينتظر القوم اليوم حلقة من مسلسل. فيما مضى، كانت القصيدة الواحدة ترفع فردا خاملا، كالمحلّق، إلى مرتبة السادة، وتُنزل علية القوم، كبني نمير، إلى أسفل سافلين. في الزمن الغابر، كانت القصيدة، كمعلّقة عمرو بن كلثوم، نشيد القوم، شعارهم ودثارهم ومبعث فخرهم. فيما سلف، كان شاعر كالنابغة يسلّ سخيمة ملك غاضب فيعفو عنه ويجزل العطاء. في الزمن البائد، كان الناس يغتنمون حتّى الحروب ليسألوا أعدائهم من ذوي البصيرة بالشعر وأهله أن يفاضلوا بين شاعرين…

لا ينبغي أن ننسى أنّه إلى حدود نهاية القرن التاسع عشر، كان الشعر يحتكر تقريبا الأدب. أن تكون أديبا (بالمعنى العالم للكلمة) يعني أن تكون شاعرا. لم يكن هناك لا مقال ولا رواية ولا مسرح. كان هناك الشعر وحده. مع الانفتاح على هذه الأجناس الأخرى، كان من الطبيعي أن تتأثّر مكانة الشعر، لا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار نزوعه نحو التجرّد من الإيقاع والابتعاد عن الوضوح. يضحي آنذاك من الصعب عليه، والحال كذلك، أن ينافس فنونا تقوم على السرد. الإنسان، بشكل من الأشكال، كائن حكائي تشدّه الحبكة ويتتّبعها بشكل يكاد يكون تلقائيا. ليس من الغرابة إذن أن نشهد هذا التصاعد اللافت في وتيرة نشر الروايات والإقبال الجماهيري عليها.

أمّا إذا خرجنا من حدود الثقافة العالمة، فلا شكّ أنّ الشعر الفصيح كان يُنافس منذ قرون من قبل فنون شعبية أخرى لا تخلو من مسمّى الشعر بدورها. نجد أنّ السيرة الشعبية سطت حتّى على بعض رموز الشعر ذاته، كعنترة مثلا، حتّى أنّ جانبا كبير من الجمهور لا يعرفه إلّا من خلال ما ورد في سيرته الشعبية. كما أنّ الشعر الشعبي كان ولا يزال يحافظ على جانب كبير من جماهيريته، لا سيّما الشعر الملحون في الجنوب التونسي. أمّا في أيّامنا هذا، فلا شكّ أنّ الراب هو الأقرب إلى التعبير عن هواجس المناطق الحضرية، لا سيّما المهمّشة منها، من فنون أخرى.

الخلاصة

من التعسّف البحث عن جماهيرية واسعة للشعر في زمننا هذا، وفي الحقيقة، حتّى في أزمنة مضت. جمهور الشعر هو جمهور متخصّص. هناك فكرة شائعة، أراها لا تخلو من الصحّة، أنّ الشعراء وحدهم هم من يستمعون إلى الشعراء. بل أنّه إذا كان هناك في الماضي نقّاد لا ينظمون الشعر كالخليل بن أحمد أو الأصمعي، فلا نكاد نعثر على ناقد ليست له على الأقل بعض المحاولات. وكأنّ هناك نوعا من الاستسهال لقول الشعر. منذ قرن كان المنفلوطي يقول “أيها القوم، ما الشعر إلا روح يودعها الله فطرة الإنسان من مبدأ نشأته، ولا تزال كامنة فيه كمون النار في الزند حتى إذا شدا فاضت على أسلات أقلامه كما تفيض الكهرباء على أسلاكها. فمن أحس منكم بهذه الروح في نفسه فليعلم أنه شاعر، أو لا فليكف نفسه مؤونة التخطيط والتسطير، وليصرفها إلى معاناة ما يلائم طبعه ويناسب فطرته من أعمال الحياة؛ فوالله للمحراث في يد الفلاح والقدوم في يد النجار والْمِسْبَر في يد الحداد أشرف وأنفع من القلم في يد النّظّام”، وكأنّ الشاعر كائن عجيب يفيض عنه القول تلقائيا. أمّا الآن، فلم يعد “الشاعر” إلا صورة أسطورية نُحافظ عليها من باب الفلكلور ربّما، في حين أنّ صداها غير ذلك تماما في الواقع.

هناك مُشاركة في ملتقى “يراع” الذي كانت تنظمه جمعية تونس الفتاة كتبت نصّا مؤثّرا من وحي تجربة رأتها بعينيها. شهدت أحد شعراء تونس الكبار، ممّن سمّي نهج باسمه بعد موته، في حفل توقيع بأحد معارض الكتاب. ظلّ لساعة ونصف جالسا في مكانه ينتظر ولم يأت أيّ أحد. وفي النهاية، لمّا اعترضه أحد أصدقائه تشبّث به وأخذه لتناول قهوة مهديا إيّاه نسخة مجانية.

هل مضى زمن الشعر؟ أن نعلن موت الشعر يشبه أن نمضي وثيقة استسلام أمام الطابع الاستهلاكي الطاغي علينا. نحن في هذا الزمان أحوج إليه من أيّ وقت مضى. في هذا الزمن الذي يسير بسرعة، نحن دائما في حاجة إلى وقفة نتأمل فيه الجمال في عالمنا أو نخلقه. بهذا المعنى يكون الشعر فعل مقاومة.

لكن ربما لا يكون ذلك من خلال الشعر بالأشكال التي نعرفها، كجنس أدبي مستقل. وإنما نعوضه بالشعرية في كل شيء. أستعير تعبيرات زيجومنت باومان لأقول أنّ شعريّة اليوم شعرية سائلة لا يحويها جنس معيّن، فيمكن أن نجدها في كلّ الأجناس.


* قدّمت هذه المداخلة في ندوة “أيّ مستقبل للشعر العربي؟” التي نظّمتها جمعية تونس الفتاة ودار الثقافة السليمانية يوم السبت 17 جانفي 2026.

الهوامش

[i] ‘Arabs Produce Only 1.1 % of World Books; What are the Real Reasons?’, Al-Estiklal, https://www.alestiklal.net/en/article/arabs-produce-only-1.1-of-world-books-what-are-the-real-reasons

[ii] نفسه

[iii] Sunil Iyengar, ‘New Survey Reports Size of Poetry’s Audience – Streaming Included’, National Endowment for the Arts, Apr. 06, 2023.

Please follow and like us:

اترك تعليقاً